محمد أبو زهرة
642
زهرة التفاسير
الأرض ، فإذا هلك الأمران بسبب استحكام الأهواء والشهوات ، فقد عم الفساد ؛ وهلك العباد . وقوله تعالى : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها قد قال العلماء فيه إن التولي يحتمل أحد أمرين : إما أن يكون معناه الانصراف والذهاب بعد أن خدع الناس بحلو القول وأقسم بالأيمان المغلظة الكاذبة وجادل وناضل فيما يدعيه من حب للخير والإصلاح ، وإما أن يراد به التولي بمعنى الولاية والإمرة على الناس ، ولقد قال العلماء إن الآية الكريمة تحتمل الأمرين كما نوهنا . وعلى الأمر الأول يكون المعنى والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده : إن ذلك الذي يدعى الصلاح والإصلاح ، وحب الخير والمنفعة ، ويعلن ذلك بحلو اللسان ، ويقسم عليه الأيمان ، ويجادل عنه بأبلغ البيان - إذا تفرقت المجالس ، وانصرف إلى العمل ، بدت طويته ، وظهرت نيته ، وانكشفت سريرته ، فاندفع في الشهوات ينال منها ؛ وقد ترك قوله دبر أذنه ، وما قال ما قال إلا ليكيد أو ليخفى حقيقة أمره ، فيكون منه الشر والفساد ، وإذا كثر من على شاكلته فسدت الحال ، وكانت العاقبة السوأى . وعلى الأمر الثاني ، وهو أن يكون معنى تولى صار واليا : أن هذا الذي اجتذب ثقة الناس بالأمانى البراقة ، والأقوال الخادعة والأيمان الكاذبة واللسن في الجدل إذا تحققت بغيته ، ونال طلبته ، وصار واليا على الناس ، لا يسعى لنفعهم ، ولا يقيم الحق بينهم ، بل يسعى لإشباع رغباته ، ويحكم الناس لنفسه لا لهم ، والفاصل بين الحكم العادل والحكم الظالم ، أن الحاكم العادل يعتقد أنه تولى أمر الناس لتكون ثمرة الحكم للناس ، كما كان الشأن في أبى حفص عمر رضي الله عنه ، وأما الحاكم الظالم فهو الذي يحكم الناس لتكون الثمرة له ومن معه ، وأمثلة ذلك في التاريخ كثيرة لا يحصيها العد . وهذا الخادع الكاذب المجادل المرائي يكون حكمه الناس لنفسه لا لهم ، ومن ثم تحكم رغباته وأهواؤه ، ومن حكمت رغباته وأهواؤه فإن سعيه لا محالة يؤدى إلى الفساد ، لا إلى الصلاح ؛ لأن الطمع يلد الطمع ، والهوى يلد الهوى فتتسلسل